احترام الذات سيادة
12-02-2008, 08:56 AM
الحمد لله ، نحمده ونستعينه ونستهديه ونستغفره ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، خصنا بخير كتاب أنزل وأكرمنا بخير نبي أرسل ، وأتم علينا النعمة بأعظم منهاج شرع منهاج الإسلام ، (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا) ، وأشهد أنا سيدنا وإمامنا وأسوتنا وحبيبنا ومعلمنا محمداً عبدالله ورسوله ، أدى الأمانة وبلغ الرسالة ونصح للأمة وتركنا على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك ، فمن يطع الله ورسوله فقد رشد ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً ، (فمن شكر فإنما يشكر لنفسه ومن كفر فإن ربي غني كريم) ، اللهم صلي وسلم وبارك على هذا الرسول الكريم وعلى آله وصحابته وأحينا اللهم على سنته وأمتنا على ملته واحشرنا في زمرته مع الذين أنعمت عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً .
أما بعد ،،،
فيا أيها الأخوة المسلمون ، أتحدث إليكم اليوم عن شعيرة الحج ، هذه الشعيرة العظيمة التي هي إحدى عبادات الإسلام الأربع وهي أحد أركان الإسلام الخمسة وهي عبادة قديمة جديدة من عهد إبراهيم عليه السلام ، حينما أمره ربه فقال (وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالاً وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق ، ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله في أيام معلومات) ، هذه العبادة القديمة الجديدة افترضها الإسلام على المسلم المستطيع إليها سبيلاً في العمر مرة واحدة ، هناك عبادات تتكرر كل يوم كالصلاة خمس مرات في اليوم وهناك عبادة سنوية كالصيام وكالزكاة الحولية ، وهناك زكاة تتكرر مع موجبها كزكاة الزرع (وآتوا حقه يوم حصاده) وهناك فريضة عمرية ، عبادة في العمر مرة واحدة وذلك لما فيها من جهد ومشقة وبذل مال فرحمنا الله عز وجل بأن كلفنا بها مرة واحدة في العمر ، كان السلف رضوان الله عليهم إذا أدى الإنسان صلوات يومه في أوقاتها بخشوعها وركوعها وسجودها كاملة مطمئنة قالوا استقام له ميزان اليوم ، ميزان اليوم هو الصلوات الخمسة وإذا أدى صلاة الجمعة كما ينبغي له قالوا استقام له ميزان الأسبوع ، فإذا صام رمضان وقامه إيماناً واحتساباً قالوا استقام له ميزان السنة ، فإذا أدى الحج كما ينبغي وكان حجه مبروراً قالوا استقام له ميزان العمر ، الصلوات ميزان اليوم والجمعة ميزان الأسبوع ورمضان ميزان العام والحج ميزان العمر ، لهذا كانوا يحرصون أن يكون حجه مبروراً وفي الحديث الصحيح "الحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة".
ما هو الحج المبرور ؟
الحج المبرور أن تنوي الحج متجرداً لله تبارك وتعالى ليس في نيتك شوب آخر غير مرضاة الله ، لا تحج من أجل التجارة ، ممكن أن تتاجر ولكن يجب أن يكون أصل نيتك الحج لله .. لا تحج رياء أو سمعة حتى يقول الناس الحاج فلان ، أن تحج لله ، النية ، تجريد النية هو أول ما يطلب في الحج المبرور ، والأمر الثاني أن تكون نفقتك من حلال ، أن تتحرى أن تحج بمال حلال فهذا ما يحرص عليه المسلم ويبحث عن مال لا شبهة فيه ، يعرف أنه جاءه من كسب طيب ويحج به ، لأنه إذا حج من مال حرام فقد دنس حجه ،
إذا حججت بمال أصله دنس =فما حججت ولكن حجت الإبل
الجمل الذي ركبته أو السيارة التي ركبتها أو الطيارة هي التي حجت ، أنت لم تحج.
الحج يكون من مال حلال
وفي بعض الأحاديث أن "الرجل إذا حج من مال حرام وقال لبيك اللهم لبيك قيل له لا لبيك ولا سعديك وحجك مردود عليك ارجع مأزوراً غير مأجور" فالذين يكسبون المال بالحق وبالباطل من حلال أو من حرام ثم يريدون أن يطهروا أنفسهم بالحج ؟ ، لا ، الحج لا يطهرك من الحرام ، الحج يكفر ذنوبك كلها إلا ما كان من حقوق العباد ، صحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال "من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه" ولكن هذا في غير التبعات وحقوق العباد ولا سيما الحقوق المالية ، فقد جاء في الصحيح أن الشهادة في سبيل الله " من قتل شهيداً في المعركة أمام الكفار غفر له كل ذنب إلا الدين " يغفر للشهيد كل ذنب إلا الدين ، والحج ليس أفضل من الشهادة ، الشهادة هي أعظم ما يؤتاه الإنسان المسلم.
الرفث والفسوق في الحج
الحج المبرور أن تجرد نيتك لله وأن تجرد نفقتك من الحرام والخبيث وأن تبتعد عن الرفث والفسوق والجدال في الحج كما قال الله تعالى (الحج أشهر معلومات فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج) الرفث ما يتعلق بالأمور الجنسية وأمور النساء ونحوها ، يجب أن ينزه لسانه في هذه الفترة فترة الإحرام عن هذا الأمر وعن الفسوق والمعاصي بصفة عامة ، المعاصي محرمة في كل وقت ولكن في وقت الإحرام تكون أشد حرمة ولا جدال في الحج ، لا يجادل الحاج رفيقه يجب أن يكون سمحاً ميسراً لا معسراً ولا ملحاحاً ولا متشدداً حتى تمضي هذه الرحلة بسلام (فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج وما تفعلوا من خير يعلمه الله) ثم يعمل الحاج على أن يؤدي أركان الحج كما ينبغي لا يضيع فرضاً من الفروض وبذلك يكون حجه مبروراً وهذا ما يتمناه الناس حينما يهنئون الحاج ويقولون له حج مبرور وسعي مشكور وذنب مغفور هذا هو الحج الذي ليس له جزاء إلا الجنة ، لماذا فرض الله الحج ؟ ولماذا فرض الحج إلا هذا البيت العتيق أو البيت الحرام أو الكعبة ؟ .. فرض الله الحج لحكم وأسرار كبيرة وفرضها إلى هذا البيت خاصة لأنه أول بيت وضع في الأرض لعبادة الله وحده فهو رمز التوحيد ورمز العبادة لله تبارك وتعالى حينما رفع قواعده إبراهيم وإسماعيل قائلين (ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم).
أنواع العبادات في الإسلام
العلماء قسموا العبادات الإسلامية إلى أنواع ثلاثة ، قالوا هناك عبادة بدنية يؤديها الإنسان بجهده البدني ، مثل الصلاة والصيام وهناك عبادة مالية مثل الزكاة والصدقات ، وهناك عبادة بدنية ومالية وهي الحج ، وكذلك الجهاد ، الحج عبادة بدنية مالية ، يشترك فيها البدن ، يشترك فيها اللسان ، يشترك فيها القلب بالنية ، ويشترك فيها اللسان بالتلبية والذكر ، يشترك البدن بتحمل المشقات ، الحج سفر من بلد إلى بلد ، وبعض الناس قد يسافر من بلاد بعيدة وفي الزمن الماضي كان الحج شاقاً على الناس ، ذكر الإمام النسفي أن رجلاً كان يطوف بالبيت وينشد الأشعار ويقول
زر من تحب وإن شطت بك الدار= وحال من دونه حجب وأستار
لا يمنعنك بعــد عن زيارتــه= إن المحب لمن يهـواه زوار
فعرف من سمعه أنه جاء من بلاد بعيدة فسأله من أي البلاد أنت ؟ قال له كذا من الصين البعيد ، قال ومتى خرجت من بلدك قال أترى رأسي الآن ؟ قال نعم أراه أبيض ليس فيه شعرة سوداء ، قال خرجت من بلدي وما في رأسي شعرة بيضاء والآن لا ترى فيها شعرة سوداء ، كان الواحد ينزل إلى بلد ويشتغل فيها ويجمع بعض المال فليس عنده من المال ما يكفي فيشتغل فيها سنة ثم ينتقل إلى بلد أقرب ويشتغل فيها سنة وهكذا حتى يصل إلى البيت الحرام ، والآن الناس يذهبون في ساعتين وفي ثلاث ساعات وفي خمس ساعات وفي عشرة ساعات حتى لو أنه قادم من بلاد بعيدة أربعة عشر ساعة لو أنه قادم من نيويورك إلى جدة مثلاً ، يعني سهلت الأمور ولكن المقصود من الحج أن يتعود الإنسان المشقة ، لماذا لم يجعل الله الحج إلى جبال لبنان أو سويسرا ؟ جعله في واد غير ذي زرع وبين هذه الجبال مهما حاولت لا تستطيع أن تفعل فماذا تفعل في منى المحدودة هذه وماذا تفعل في مكة بين هذين الجبلين ؟ فيظل الإنسان محكوماً بهذه البيئة الشديدة القاسية والتي تكون غالب السنة شديدة الحر ليتعود المسلم المشقة وليتعود الحياة العادية غير المرفهة ، بعض الناس يقول إذا غيرت مكاني لا أنام ، أو إذا لم أنم على الجهة الفلانية لا أستطيع النوم ، إذا لم أنم على وسادة شكلها كذا .. لا .. لابد أن تتعود الحياة الكشفية ، حياة الكشافين والجوالين ، تنام على التراب والحجر وما تيسر لك ، هذه هي حياة التنقل ولذلك فأنت تنتقل من منى إلى عرفات إلى مزدلفة إلى منى إلى مكة كل هذا في وقت قصير ليتعود الناس الحركة والسعي وتحمل المشقات ، الإنسان المرفه الذي وصفه الشاعر بقوله
خطوات النسيم تجرح خديه= ولمس الحرير يدمي بنانه
هذا لا يصلح لا لدين ولا لدنيا ولذلك الإسلام يريد أن يعودنا كيف نتحمل الحياة بوردها وشوكها ، بسرائها وضرائها بنعمائها وبأسائها بليونتها وخشونتها ، هذا ما ينبغي ، لذلك فرض الإسلام هذه العبادة التي يدخلها الإنسان بكيانه كله ، بعقله وقلبه ولسانه وجهده وماله ، وكل ذلك لله تبارك وتعالى ، الحج عبادة عظيمة ، فيها كمال العبودية لله تبارك وتعالى ، تعود الإنسان التعبد ، ما معنى التعبد ؟ التعبد أن تمتثل أمر ربك ولو لم تعرف حكمته ، وتقول سمعنا وأطعنا ، هذه هي العبادة الحقيقية ولذلك ليس من الضروري أن تعرف كل شيء .
الطواف شكلا وعددا
لماذا الطواف بالبيت ؟ ولماذا كان سبعاً ؟ ولماذا كانت الكعبة عن شمال الإنسان وليست عن يمينه ؟ ولماذا كان الطواف سبعاً بين الصفا والمروة ؟ ولماذا رمي الجمار ؟ ولماذا .. ولماذا ؟ لا تستطيع أن تجيب بالتفصيل عن هذه الأشياء ، ممكن أن يحاول الإنسان أن يستخرج بعض الحكم والأسرار استنباطاً ولكنها مجرد تخمين إنما المهم أن المسلم يفعل ذلك ممتثلاً لأمر ربه ، الرب يقول أمرت ، والعبد يقول سمعت وأطعت ، هذه هي العبودية الحقيقية ، ولذلك نرى في الحج كثيراً من هذه العبادات التي الأصل فيها التعبد ولا عبادة بغير هذا ، أن تتعبد ممتثلاً لأمر ربك ، كما قال الإمام الغزالي (المريض لا يسأل طبيبه حينما يصف له دواءً فيقول له لماذا هذا ؟ لماذا هذا قبل الأكل وهذا بعد الأكل؟ ولماذا كان هذا حبوباً ولماذا كان هذا شرباً ؟ ولماذا كان هذا ملعقة وهذا نصف ملعقة ؟ لا يسأل عن هذا لأنه لا يعرف ولن يستطيع أن يفهم ، هذا سره عند الطبيب والله هو طبيبك ، هو يعرف دواء داءك وشفاء مرضك فإن وصف لك شيئاً فخذه مقتنعاً مستيقناً بأن فيه الدواء والشفاء والخير كل الخير .
الحج تدريب على المساواة والسلام
الحج تدريب عملي على قيم الإسلام ، جاء الإسلام بقيمة المساواة ومبدأ المساواة بين الناس ، " الناس سواسية كأسنان المشط لا فضل لعربي على عجمي ولا لأبيض على أسود إلا بالتقوى " ، هذه حقيقة وهذا مبدأ نظري ولكن يجب أن يطبق عملي ، يطبق في الصلاة ، الصلاة ليس فيها تمييز بين الناس بعضهم وبعض ، من وصل مبكراً أخذ مكانه في الصف الأول ، ليس عندنا نحن المسلمين أن الصف الأول للوزراء والصف الثاني لوكلاء الوزارات والصف الثالث لمديري العموم والصف الرابع لموظفي الدرجة الأولى .. ليس عندنا هذا ، خذ مكانك حيث تصل ، هذا هو الإسلام ، ولكن مع هذا في الصلاة وفي المسجد يظل هناك نوع من التفرقة بين الناس ، هناك من يلبس الدشداشة والغترة وهناك من يلبس البدلة والحلة وهناك من يلبس الجبة والعمامة وهناك من يلبس على رأسه شيئاً ومن لا يلبس شيئاً ، فيظل اختلاف الناس في هذه الأشياء التي تنبئ عن أزياء البلاد أو أزياء الطوائف ، ولكن في الحج تذوب هذه الفوارق كلها ، يلبس الجميع هذه الملابس البيضاء البسيطة التي هي أشبه ما تكون بأكفان الموتى ، لا تعرف أميراً من مأمور ، لا تعرف رئيساً من مرؤوس ، لا تعرف غني من فقير ، إذا لقيت الجميع في عرسات عرفات لا تكاد تعرف ولا تميز بين هذا وذاك ، هذا ما أراده الإسلام ، المساواة الحقيقية في هذا الوقت ، يلبس الإنسان هذه الثياب ويحرم عليه أن يتطيب حتى لا يظهر هذا برائحته المفحفحة ، لا ، لا تطيب ولا شيء من هذا ، فهو تدريب على المساواة الحقيقية في هذا الموسم العظيم ، وهناك تدريب آخر على قيمة السلام ، الناس في عصرنا يدعون إلى السلام ويظنون أنهم أتوا بالجديد ولكن الإسلام دعا إلى السلام حتى أن كلمة الإسلام مشتقة من كلمة سلم ، مادة السلام هي مادة الإسلام وتحية المسلمين في الدنيا والآخرة السلام ، في الدنيا السلام عليكم ، وفي الآخرة (تحية يوم يلقونه سلام) والجنة دار السلام ، والله تعالى من أسمائه السلام ، ولذلك المسلمون تفردوا بهذا الاسم ، اسم عبدالسلام ، أي عبدالله تبارك وتعالى ، ولكن ليس المهم أن تنادي بالسلام نظرياً ، المهم أن تحقق السلام عملياً ، الحج رحلة تدريب على السلام ، أن تكون مسالماً لمن حولك وما حولك ، لمن حولك لرفقائك حتى الجدال ممنوع ، لا تجادلهم ، فتكون رحلة سلام وسماحة ، الأرض التي تعيش عليها لا ينبغي ولا يجوز لك أن تصيد فيها صيداً أو طيراً أو وحشاً أو غير ذلك ، هذا محرم عليك ، (يا أيها الذين آمنوا لا يبلونكم الله بشيء من الصيد تناله أيديكم ورماحكم ليعلم الله من يخافه بالغيب ومن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم) ، (يا أيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم ومن قتله منكم متعمداً فجزاء مثل ما قتل من النعم يحكم به ذوا عدل منكم ..) ، فالمسلم مسالم حتى للصيد وحتى للطير وحتى للحشائش في هذه المنطقة ، الآن يتحدثون عن مناطق المحميات الطبيعية ، الإسلام هو أول من فرض هذه المحميات الطبيعية في أرض الحرم ، هذا كله ليعيش المسلم معنى السلام الحقيقي ولذلك قال تعالى عن الحرم (ومن دخله كان آمنا) الأمن المطلق ، (وآمنهم من خوف) هو في هذه الأرض ، هذه رحلة سلام وتدريب على السلام ، الحج يخرج المسلم من دائرة المحلية إلى أفق العالمية ، تصور قروياً يعيش في صعيد مصر أو بدوياً يعيش في الصحراء الغربية أو الشرقية أو في الجزيرة أو في الخليج لا يعرف إلا محيطه الضيق الخاص ، ينقله الإسلام إلى هذه الأرض ليرى الناس وقد جاءوا من المشارق والمغارب مختلفي العروق والألوان والألسن والطبقات ، إنه يعيش عالماً جديداً ، لابد أن يخرج من هذه المحلية الضيقة إلى هذه العالمية الواسعة التي هي شأن الإسلام (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين) ، إنه قد جاء ليكون عضواً في هذا المؤتمر الرباني العالمي ، الحج هو هذا المؤتمر السنوي الذي لم يدع إليه ملك أو رئيس أو أمير إنما دعا إليه الله تبارك وتعالى (ليأتي الناس من كل فج عميق ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله في أيام معلومات) هذه كلها معاني وراء هذه الفريضة العظيمة ، المسلم يعيش في هذا الموكب الرباني الإيماني مردداً مع إخوانه (لبيك اللهم لبيك ، لبيك لا شريك لا لبيك) هذه الجموع الحاشدة ، هذه المسيرة المليونية أو أكثر من مليونية وفي بعض السنوات قاربت الثلاثة ملايين ، جاءوا من كل حدب وصوب ، ربهم واحد ورسولهم واحد وكتابهم واحد وشعائرهم واحدة وأزيائهم واحدة ، لبيك اللهم لبيك ، ذوب الإسلام الفوارق بين هذه الأجناس والألوان فلم يبق إلا أمة واحدة شعارها الأخوة الإيمانية ، إنما المؤمنون أخوة ، هناك تذوب تلك العصبيات القومية والإقليمية ، هذا قطري وهذا خليجي وهذا مصري وهذا سوري وهذا مغربي وهذا شامي ، ما الذي جمع الشامي على المغربي وما الذي جمع الخليجي على الباكستاني على الإندونيسي ، إنه الإسلام جاء ليثبت هذا المعنى ، أن المسلمين حيثما كانوا أمة واحدة يسعى بذمتهم أدناهم وهم يد على من سواهم فإذا نسوا هذه الحقيقة يجب أن يذكروها في هذا الموسم ، ليتذكروا أنهم أمة واحدة وأنهم أخوة جمعت بينهم العقدية ولا رباط أقوى من العقيدة ولا عقيدة أقوى من الإسلام .
أثر الحج على المسلم
للحج أثره في نفس صاحبه وهذا ما لمسناه ونلمسه دائماً أنه يولد ميلاداً جديداً كما أشار الحديث " كيوم ولدته أمه " كأنما هو مولود جديد ولهذا نرى كثير من المسلمين العصاة يؤجل توبته حتى يحج ، فيقول إن شاء الله ناوي أحج وأتطهر وأعود بنية أخرى وحياة أخرى ، كثير من النساء تقول لها تحجبي ودعي هذا التبرج ، فتقول إن شاء الله أنا أنوي الحج ثم ألتزم ، فالحج له تأثيره في نفس الإنسان المسلم وهذا ما لمسه أحد المبشرين الكبار الذين قادوا حملة تبشيرية في مصر في أوائل هذا القرن ، التبشير كان له مطامع في البلاد الإسلامية حتى في مصر بلد الأزهر ، وجرد حملة هائلة في أوائل هذا القرن ، لتدعو الناس إلى المسيحية ولكنهم أخفقوا وفشلوا تماماً ، كانوا يذهبون إلى القرية ويتحدثون مع الناس عن العذراء والمسيح والمعجزات وهذه الأشياء والناس صامتين ، في آخر الكلام يقول أحدهم وحّدوه فيقولون لا إله إلا الله ، ويقول صلوا على النبي ، فيقولون اللهم صلي وسلم عليه ، فكتب رئيس المبشرين في ذلك الوقت تقريراً قال فيه سيظل الإسلام صخرة عاتية تتحطم عليها محاولات التبشير المسيحي ما دام للإسلام في مصر هذه الدعائم الأربع ، القرآن والأزهر واجتماع الجمعة الأسبوعي ومؤتمر الحج السنوي ، فمادامت هذه الأربعة سيظل الناس مشدودين إلى الإسلام ، القرآن الكريم يقرأونه صباح مساء ويتلى عليهم ، والأزهر بعلمائه المنتشرين في الآفاق وفي القرى وفي المدن يعلمون الناس ويعظونهم ويفتونهم واجتماع الجمعة الأسبوعية الذي يجدد إيمان المسلمين ويربطهم بدينهم ويذكرهم بالله وبالآخرة ، ثم مؤتمر الحج السنوي ، فالمسلم العاصي يذهب إلى هذا المؤتمر فيعود شخصاً آخر وخلقاً آخر ، بإيمان جديد وعزم جديد ، هذا ما لاحظه هذا الرجل النصراني .
شبهات حول الحج
يا أيها الأخوة إن الله أكرمنا بهذه العبادات الإسلامية وخصوصاً الحج منها ، بعض الناس يثير شبهات حول الحج يقولون المسلمون يعبدون الحجر الأسود ويعبدون الكعبة .. وهذه افتراءات لا وزن لها ولا قيمة ، المسلمون لا يعبدون إلا الله وحده وسيدنا عمر حينما طاف بالبيت ووصل عند الحجر قال (أيها الحجر إني أقبلك وأنا أعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع ، ولولا أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبلك ما قبلتك) ، فهو يقبله اتباعاً ، وقلنا لماذا كانت الكعبة ؟ لأنها أول بيت للتوحيد ، فالمسلمون يعظمون الكعبة لهذا المعنى أنها رمز التوحيد في الأرض والحجر الأسود هو بداية المطاف لابد من مكان يبدأ الناس فيه الطواف فهو البداية تبدأ من عند الحجر الأسود وتقول بسم الله والله أكبر ، لا باسم الحجر ولا باسم الكعبة ولكن باسم الله والله أكبر ، هذا هو شأن المسلم والحج تغلب فيه اللغة الرمزية ، واللغة الرمزية لغة عالمية، ما معنى اللغة الرمزية ؟ نحن نعلم أن الدول تهتم بشيء اسمه العلم ، كل دولة لها علم تنشد عندها النشيد الوطني وترفعه وتأبى أن تنكسه إلا في مناسبات معينة ، ما هو العلم ؟ قطعة قماش ولكنها رمز لهذا البلد أو ذاك ، فالإنسان الذي يعظم هذا العلم لا يعظم هذه القماشة إنما هو يعظم ما يرمز إلى بلده ووطنه الذي يعتز بالانتماء إليه ، وكذلك الحج تغلب فيه اللغة الرمزية حينما يقبل الإنسان الحجر الأسود أو يلتمسه بيديه أو يشير إليه من بعيد ومعظم الحجاج الآن يشيرون إليه من بعيد ، هذا كما قال الشاعر العربي قديماً
أمر على الديار ديار ليلى= أقبل ذا الجدار وذا الجدار
وما حب الديار شغفن قلبي= ولكن حب من سكن الديار
الإنسان حينما يأتيه رسالة من صديق أو من حبيب أو من كذا ممكن أن يحتضنها أو يقبلها .. فما هي الرسالة ، إنها قطعة ورقة مرت على ساعي البريد ومرت على غيره إنما هي رمز ، رمي الجمار هي رمز لتجسيم ومقاومة الشر الذي تمثله الناس في إبليس ولذلك نرى الناس سموا الجمرات فيقولون إبليس الصغير وإبليس الكبير أو إبليس الجد وإبليس الأب وإبليس الابن وبعضهم يخلع نعله ويرمي وهذا لم يرد في الشرع إنما هو تجسد أمامهم الشر فهذه لغة يعلمها الإسلام للناس ، هذا الحج فريضة عظيمة ينبغي نحن المسلمين أن ننتفع بها في تذويب الفوارق فيما بيننا وفي تدارس أمورنا ، يجب أن يجتمع أهل الرأي والحكمة من كل البلاد ليتباحثوا في أمورهم وفي قضاياهم الكبرى وقضاياهم المصيرية ، هذا ما ينبغي للمسلمين أن يفعلوه
التقرب بالحج كنافلة أو بنوافل أخرى
هذه فريضة عظيمة ينبغي لنا نحن المسلمين أن نحرص عليها ولكن أريد أن أؤكد معنى طالما كررته ، هناك مسلمون يحرصون على الحج في كل عام وأنا أقول لهؤلاء الذين يحرصون على التنفل بالحج يمكنكم أن تتقربوا إلى الله بنوافل وعبادات أخرى وأن تتركوا أماكنكم لغيركم بدل أن تزحموا الحجاج بما ليس واجباً عليكم وهناك أمور أهم من الحج بل أراها فرائض على الأمة مثل إعانة البلاد الإسلامية ، البلاد التي تجاهد من أجل حقوقهاً ، والجائعين الذين يموتون من الجوع حقيقة لا مجازاً واليتامى الذين لا يجدون كافلاً والبلاد التي لا تجد مدرسة تتعلم فيها ، والبلاد التي تتعرض لحملات التنصير وما أكثرها في ديار الإسلام ، هذه كلها واجب علينا أن نعينها فلماذا نحرص على أن نكرر الحج وهذه الفرائض تطالبنا ، نحن هنا في قطر عندنا مشروع لخدمة الإسلام على الإنترنت (ISLAM ON LINE) وأنا أحتاج إلى ملايين في السنوات الأولى حتى يستمر المشروع ولا نجد من يموله ، أليس هذا أولى من أن تذهب كل سنة لتحج وتزاحم الآخرين ، القاعدة الشرعية تقول ، إن الله لا يقبل النافلة حتى تؤدى الفريضة ، لا يقبل منك نافلة وأنت تارك فريضة ، ولذلك قالوا أن المدين ليس عليه حج ، لماذا ؟ لأنه يجب عليه قبل أن يحج أن يسدد الدين ، إن الله لا يقبل النافلة حتى تؤدى الفريضة ومن شغله الفرض عن النفل فهو معذور ومن شغله النفل عن الفرض فهو مغرور .
نصيحتي إلى الأخوة الذين يكررون الحج أن يتبرعوا بنفقات حجهم إلى الجمعيات الإسلامية والمشروعات الإسلامية والمؤسسات الإسلامية في بلادنا المختلفة التي تحتاج إلى كل فلس ولا تكاد تجده .
أسأل الله تبارك وتعالى أن يفقهنا في ديننا وأن يعلمنا ما ينفعنا وأن ينفعنا بما علمنا ، اللهم آمين ، ادعوا الله تعالى يستجب لكم .
ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين ، وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون .
أما بعد ،،،
فيا أيها الأخوة المسلمون ، أتحدث إليكم اليوم عن شعيرة الحج ، هذه الشعيرة العظيمة التي هي إحدى عبادات الإسلام الأربع وهي أحد أركان الإسلام الخمسة وهي عبادة قديمة جديدة من عهد إبراهيم عليه السلام ، حينما أمره ربه فقال (وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالاً وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق ، ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله في أيام معلومات) ، هذه العبادة القديمة الجديدة افترضها الإسلام على المسلم المستطيع إليها سبيلاً في العمر مرة واحدة ، هناك عبادات تتكرر كل يوم كالصلاة خمس مرات في اليوم وهناك عبادة سنوية كالصيام وكالزكاة الحولية ، وهناك زكاة تتكرر مع موجبها كزكاة الزرع (وآتوا حقه يوم حصاده) وهناك فريضة عمرية ، عبادة في العمر مرة واحدة وذلك لما فيها من جهد ومشقة وبذل مال فرحمنا الله عز وجل بأن كلفنا بها مرة واحدة في العمر ، كان السلف رضوان الله عليهم إذا أدى الإنسان صلوات يومه في أوقاتها بخشوعها وركوعها وسجودها كاملة مطمئنة قالوا استقام له ميزان اليوم ، ميزان اليوم هو الصلوات الخمسة وإذا أدى صلاة الجمعة كما ينبغي له قالوا استقام له ميزان الأسبوع ، فإذا صام رمضان وقامه إيماناً واحتساباً قالوا استقام له ميزان السنة ، فإذا أدى الحج كما ينبغي وكان حجه مبروراً قالوا استقام له ميزان العمر ، الصلوات ميزان اليوم والجمعة ميزان الأسبوع ورمضان ميزان العام والحج ميزان العمر ، لهذا كانوا يحرصون أن يكون حجه مبروراً وفي الحديث الصحيح "الحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة".
ما هو الحج المبرور ؟
الحج المبرور أن تنوي الحج متجرداً لله تبارك وتعالى ليس في نيتك شوب آخر غير مرضاة الله ، لا تحج من أجل التجارة ، ممكن أن تتاجر ولكن يجب أن يكون أصل نيتك الحج لله .. لا تحج رياء أو سمعة حتى يقول الناس الحاج فلان ، أن تحج لله ، النية ، تجريد النية هو أول ما يطلب في الحج المبرور ، والأمر الثاني أن تكون نفقتك من حلال ، أن تتحرى أن تحج بمال حلال فهذا ما يحرص عليه المسلم ويبحث عن مال لا شبهة فيه ، يعرف أنه جاءه من كسب طيب ويحج به ، لأنه إذا حج من مال حرام فقد دنس حجه ،
إذا حججت بمال أصله دنس =فما حججت ولكن حجت الإبل
الجمل الذي ركبته أو السيارة التي ركبتها أو الطيارة هي التي حجت ، أنت لم تحج.
الحج يكون من مال حلال
وفي بعض الأحاديث أن "الرجل إذا حج من مال حرام وقال لبيك اللهم لبيك قيل له لا لبيك ولا سعديك وحجك مردود عليك ارجع مأزوراً غير مأجور" فالذين يكسبون المال بالحق وبالباطل من حلال أو من حرام ثم يريدون أن يطهروا أنفسهم بالحج ؟ ، لا ، الحج لا يطهرك من الحرام ، الحج يكفر ذنوبك كلها إلا ما كان من حقوق العباد ، صحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال "من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه" ولكن هذا في غير التبعات وحقوق العباد ولا سيما الحقوق المالية ، فقد جاء في الصحيح أن الشهادة في سبيل الله " من قتل شهيداً في المعركة أمام الكفار غفر له كل ذنب إلا الدين " يغفر للشهيد كل ذنب إلا الدين ، والحج ليس أفضل من الشهادة ، الشهادة هي أعظم ما يؤتاه الإنسان المسلم.
الرفث والفسوق في الحج
الحج المبرور أن تجرد نيتك لله وأن تجرد نفقتك من الحرام والخبيث وأن تبتعد عن الرفث والفسوق والجدال في الحج كما قال الله تعالى (الحج أشهر معلومات فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج) الرفث ما يتعلق بالأمور الجنسية وأمور النساء ونحوها ، يجب أن ينزه لسانه في هذه الفترة فترة الإحرام عن هذا الأمر وعن الفسوق والمعاصي بصفة عامة ، المعاصي محرمة في كل وقت ولكن في وقت الإحرام تكون أشد حرمة ولا جدال في الحج ، لا يجادل الحاج رفيقه يجب أن يكون سمحاً ميسراً لا معسراً ولا ملحاحاً ولا متشدداً حتى تمضي هذه الرحلة بسلام (فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج وما تفعلوا من خير يعلمه الله) ثم يعمل الحاج على أن يؤدي أركان الحج كما ينبغي لا يضيع فرضاً من الفروض وبذلك يكون حجه مبروراً وهذا ما يتمناه الناس حينما يهنئون الحاج ويقولون له حج مبرور وسعي مشكور وذنب مغفور هذا هو الحج الذي ليس له جزاء إلا الجنة ، لماذا فرض الله الحج ؟ ولماذا فرض الحج إلا هذا البيت العتيق أو البيت الحرام أو الكعبة ؟ .. فرض الله الحج لحكم وأسرار كبيرة وفرضها إلى هذا البيت خاصة لأنه أول بيت وضع في الأرض لعبادة الله وحده فهو رمز التوحيد ورمز العبادة لله تبارك وتعالى حينما رفع قواعده إبراهيم وإسماعيل قائلين (ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم).
أنواع العبادات في الإسلام
العلماء قسموا العبادات الإسلامية إلى أنواع ثلاثة ، قالوا هناك عبادة بدنية يؤديها الإنسان بجهده البدني ، مثل الصلاة والصيام وهناك عبادة مالية مثل الزكاة والصدقات ، وهناك عبادة بدنية ومالية وهي الحج ، وكذلك الجهاد ، الحج عبادة بدنية مالية ، يشترك فيها البدن ، يشترك فيها اللسان ، يشترك فيها القلب بالنية ، ويشترك فيها اللسان بالتلبية والذكر ، يشترك البدن بتحمل المشقات ، الحج سفر من بلد إلى بلد ، وبعض الناس قد يسافر من بلاد بعيدة وفي الزمن الماضي كان الحج شاقاً على الناس ، ذكر الإمام النسفي أن رجلاً كان يطوف بالبيت وينشد الأشعار ويقول
زر من تحب وإن شطت بك الدار= وحال من دونه حجب وأستار
لا يمنعنك بعــد عن زيارتــه= إن المحب لمن يهـواه زوار
فعرف من سمعه أنه جاء من بلاد بعيدة فسأله من أي البلاد أنت ؟ قال له كذا من الصين البعيد ، قال ومتى خرجت من بلدك قال أترى رأسي الآن ؟ قال نعم أراه أبيض ليس فيه شعرة سوداء ، قال خرجت من بلدي وما في رأسي شعرة بيضاء والآن لا ترى فيها شعرة سوداء ، كان الواحد ينزل إلى بلد ويشتغل فيها ويجمع بعض المال فليس عنده من المال ما يكفي فيشتغل فيها سنة ثم ينتقل إلى بلد أقرب ويشتغل فيها سنة وهكذا حتى يصل إلى البيت الحرام ، والآن الناس يذهبون في ساعتين وفي ثلاث ساعات وفي خمس ساعات وفي عشرة ساعات حتى لو أنه قادم من بلاد بعيدة أربعة عشر ساعة لو أنه قادم من نيويورك إلى جدة مثلاً ، يعني سهلت الأمور ولكن المقصود من الحج أن يتعود الإنسان المشقة ، لماذا لم يجعل الله الحج إلى جبال لبنان أو سويسرا ؟ جعله في واد غير ذي زرع وبين هذه الجبال مهما حاولت لا تستطيع أن تفعل فماذا تفعل في منى المحدودة هذه وماذا تفعل في مكة بين هذين الجبلين ؟ فيظل الإنسان محكوماً بهذه البيئة الشديدة القاسية والتي تكون غالب السنة شديدة الحر ليتعود المسلم المشقة وليتعود الحياة العادية غير المرفهة ، بعض الناس يقول إذا غيرت مكاني لا أنام ، أو إذا لم أنم على الجهة الفلانية لا أستطيع النوم ، إذا لم أنم على وسادة شكلها كذا .. لا .. لابد أن تتعود الحياة الكشفية ، حياة الكشافين والجوالين ، تنام على التراب والحجر وما تيسر لك ، هذه هي حياة التنقل ولذلك فأنت تنتقل من منى إلى عرفات إلى مزدلفة إلى منى إلى مكة كل هذا في وقت قصير ليتعود الناس الحركة والسعي وتحمل المشقات ، الإنسان المرفه الذي وصفه الشاعر بقوله
خطوات النسيم تجرح خديه= ولمس الحرير يدمي بنانه
هذا لا يصلح لا لدين ولا لدنيا ولذلك الإسلام يريد أن يعودنا كيف نتحمل الحياة بوردها وشوكها ، بسرائها وضرائها بنعمائها وبأسائها بليونتها وخشونتها ، هذا ما ينبغي ، لذلك فرض الإسلام هذه العبادة التي يدخلها الإنسان بكيانه كله ، بعقله وقلبه ولسانه وجهده وماله ، وكل ذلك لله تبارك وتعالى ، الحج عبادة عظيمة ، فيها كمال العبودية لله تبارك وتعالى ، تعود الإنسان التعبد ، ما معنى التعبد ؟ التعبد أن تمتثل أمر ربك ولو لم تعرف حكمته ، وتقول سمعنا وأطعنا ، هذه هي العبادة الحقيقية ولذلك ليس من الضروري أن تعرف كل شيء .
الطواف شكلا وعددا
لماذا الطواف بالبيت ؟ ولماذا كان سبعاً ؟ ولماذا كانت الكعبة عن شمال الإنسان وليست عن يمينه ؟ ولماذا كان الطواف سبعاً بين الصفا والمروة ؟ ولماذا رمي الجمار ؟ ولماذا .. ولماذا ؟ لا تستطيع أن تجيب بالتفصيل عن هذه الأشياء ، ممكن أن يحاول الإنسان أن يستخرج بعض الحكم والأسرار استنباطاً ولكنها مجرد تخمين إنما المهم أن المسلم يفعل ذلك ممتثلاً لأمر ربه ، الرب يقول أمرت ، والعبد يقول سمعت وأطعت ، هذه هي العبودية الحقيقية ، ولذلك نرى في الحج كثيراً من هذه العبادات التي الأصل فيها التعبد ولا عبادة بغير هذا ، أن تتعبد ممتثلاً لأمر ربك ، كما قال الإمام الغزالي (المريض لا يسأل طبيبه حينما يصف له دواءً فيقول له لماذا هذا ؟ لماذا هذا قبل الأكل وهذا بعد الأكل؟ ولماذا كان هذا حبوباً ولماذا كان هذا شرباً ؟ ولماذا كان هذا ملعقة وهذا نصف ملعقة ؟ لا يسأل عن هذا لأنه لا يعرف ولن يستطيع أن يفهم ، هذا سره عند الطبيب والله هو طبيبك ، هو يعرف دواء داءك وشفاء مرضك فإن وصف لك شيئاً فخذه مقتنعاً مستيقناً بأن فيه الدواء والشفاء والخير كل الخير .
الحج تدريب على المساواة والسلام
الحج تدريب عملي على قيم الإسلام ، جاء الإسلام بقيمة المساواة ومبدأ المساواة بين الناس ، " الناس سواسية كأسنان المشط لا فضل لعربي على عجمي ولا لأبيض على أسود إلا بالتقوى " ، هذه حقيقة وهذا مبدأ نظري ولكن يجب أن يطبق عملي ، يطبق في الصلاة ، الصلاة ليس فيها تمييز بين الناس بعضهم وبعض ، من وصل مبكراً أخذ مكانه في الصف الأول ، ليس عندنا نحن المسلمين أن الصف الأول للوزراء والصف الثاني لوكلاء الوزارات والصف الثالث لمديري العموم والصف الرابع لموظفي الدرجة الأولى .. ليس عندنا هذا ، خذ مكانك حيث تصل ، هذا هو الإسلام ، ولكن مع هذا في الصلاة وفي المسجد يظل هناك نوع من التفرقة بين الناس ، هناك من يلبس الدشداشة والغترة وهناك من يلبس البدلة والحلة وهناك من يلبس الجبة والعمامة وهناك من يلبس على رأسه شيئاً ومن لا يلبس شيئاً ، فيظل اختلاف الناس في هذه الأشياء التي تنبئ عن أزياء البلاد أو أزياء الطوائف ، ولكن في الحج تذوب هذه الفوارق كلها ، يلبس الجميع هذه الملابس البيضاء البسيطة التي هي أشبه ما تكون بأكفان الموتى ، لا تعرف أميراً من مأمور ، لا تعرف رئيساً من مرؤوس ، لا تعرف غني من فقير ، إذا لقيت الجميع في عرسات عرفات لا تكاد تعرف ولا تميز بين هذا وذاك ، هذا ما أراده الإسلام ، المساواة الحقيقية في هذا الوقت ، يلبس الإنسان هذه الثياب ويحرم عليه أن يتطيب حتى لا يظهر هذا برائحته المفحفحة ، لا ، لا تطيب ولا شيء من هذا ، فهو تدريب على المساواة الحقيقية في هذا الموسم العظيم ، وهناك تدريب آخر على قيمة السلام ، الناس في عصرنا يدعون إلى السلام ويظنون أنهم أتوا بالجديد ولكن الإسلام دعا إلى السلام حتى أن كلمة الإسلام مشتقة من كلمة سلم ، مادة السلام هي مادة الإسلام وتحية المسلمين في الدنيا والآخرة السلام ، في الدنيا السلام عليكم ، وفي الآخرة (تحية يوم يلقونه سلام) والجنة دار السلام ، والله تعالى من أسمائه السلام ، ولذلك المسلمون تفردوا بهذا الاسم ، اسم عبدالسلام ، أي عبدالله تبارك وتعالى ، ولكن ليس المهم أن تنادي بالسلام نظرياً ، المهم أن تحقق السلام عملياً ، الحج رحلة تدريب على السلام ، أن تكون مسالماً لمن حولك وما حولك ، لمن حولك لرفقائك حتى الجدال ممنوع ، لا تجادلهم ، فتكون رحلة سلام وسماحة ، الأرض التي تعيش عليها لا ينبغي ولا يجوز لك أن تصيد فيها صيداً أو طيراً أو وحشاً أو غير ذلك ، هذا محرم عليك ، (يا أيها الذين آمنوا لا يبلونكم الله بشيء من الصيد تناله أيديكم ورماحكم ليعلم الله من يخافه بالغيب ومن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم) ، (يا أيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم ومن قتله منكم متعمداً فجزاء مثل ما قتل من النعم يحكم به ذوا عدل منكم ..) ، فالمسلم مسالم حتى للصيد وحتى للطير وحتى للحشائش في هذه المنطقة ، الآن يتحدثون عن مناطق المحميات الطبيعية ، الإسلام هو أول من فرض هذه المحميات الطبيعية في أرض الحرم ، هذا كله ليعيش المسلم معنى السلام الحقيقي ولذلك قال تعالى عن الحرم (ومن دخله كان آمنا) الأمن المطلق ، (وآمنهم من خوف) هو في هذه الأرض ، هذه رحلة سلام وتدريب على السلام ، الحج يخرج المسلم من دائرة المحلية إلى أفق العالمية ، تصور قروياً يعيش في صعيد مصر أو بدوياً يعيش في الصحراء الغربية أو الشرقية أو في الجزيرة أو في الخليج لا يعرف إلا محيطه الضيق الخاص ، ينقله الإسلام إلى هذه الأرض ليرى الناس وقد جاءوا من المشارق والمغارب مختلفي العروق والألوان والألسن والطبقات ، إنه يعيش عالماً جديداً ، لابد أن يخرج من هذه المحلية الضيقة إلى هذه العالمية الواسعة التي هي شأن الإسلام (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين) ، إنه قد جاء ليكون عضواً في هذا المؤتمر الرباني العالمي ، الحج هو هذا المؤتمر السنوي الذي لم يدع إليه ملك أو رئيس أو أمير إنما دعا إليه الله تبارك وتعالى (ليأتي الناس من كل فج عميق ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله في أيام معلومات) هذه كلها معاني وراء هذه الفريضة العظيمة ، المسلم يعيش في هذا الموكب الرباني الإيماني مردداً مع إخوانه (لبيك اللهم لبيك ، لبيك لا شريك لا لبيك) هذه الجموع الحاشدة ، هذه المسيرة المليونية أو أكثر من مليونية وفي بعض السنوات قاربت الثلاثة ملايين ، جاءوا من كل حدب وصوب ، ربهم واحد ورسولهم واحد وكتابهم واحد وشعائرهم واحدة وأزيائهم واحدة ، لبيك اللهم لبيك ، ذوب الإسلام الفوارق بين هذه الأجناس والألوان فلم يبق إلا أمة واحدة شعارها الأخوة الإيمانية ، إنما المؤمنون أخوة ، هناك تذوب تلك العصبيات القومية والإقليمية ، هذا قطري وهذا خليجي وهذا مصري وهذا سوري وهذا مغربي وهذا شامي ، ما الذي جمع الشامي على المغربي وما الذي جمع الخليجي على الباكستاني على الإندونيسي ، إنه الإسلام جاء ليثبت هذا المعنى ، أن المسلمين حيثما كانوا أمة واحدة يسعى بذمتهم أدناهم وهم يد على من سواهم فإذا نسوا هذه الحقيقة يجب أن يذكروها في هذا الموسم ، ليتذكروا أنهم أمة واحدة وأنهم أخوة جمعت بينهم العقدية ولا رباط أقوى من العقيدة ولا عقيدة أقوى من الإسلام .
أثر الحج على المسلم
للحج أثره في نفس صاحبه وهذا ما لمسناه ونلمسه دائماً أنه يولد ميلاداً جديداً كما أشار الحديث " كيوم ولدته أمه " كأنما هو مولود جديد ولهذا نرى كثير من المسلمين العصاة يؤجل توبته حتى يحج ، فيقول إن شاء الله ناوي أحج وأتطهر وأعود بنية أخرى وحياة أخرى ، كثير من النساء تقول لها تحجبي ودعي هذا التبرج ، فتقول إن شاء الله أنا أنوي الحج ثم ألتزم ، فالحج له تأثيره في نفس الإنسان المسلم وهذا ما لمسه أحد المبشرين الكبار الذين قادوا حملة تبشيرية في مصر في أوائل هذا القرن ، التبشير كان له مطامع في البلاد الإسلامية حتى في مصر بلد الأزهر ، وجرد حملة هائلة في أوائل هذا القرن ، لتدعو الناس إلى المسيحية ولكنهم أخفقوا وفشلوا تماماً ، كانوا يذهبون إلى القرية ويتحدثون مع الناس عن العذراء والمسيح والمعجزات وهذه الأشياء والناس صامتين ، في آخر الكلام يقول أحدهم وحّدوه فيقولون لا إله إلا الله ، ويقول صلوا على النبي ، فيقولون اللهم صلي وسلم عليه ، فكتب رئيس المبشرين في ذلك الوقت تقريراً قال فيه سيظل الإسلام صخرة عاتية تتحطم عليها محاولات التبشير المسيحي ما دام للإسلام في مصر هذه الدعائم الأربع ، القرآن والأزهر واجتماع الجمعة الأسبوعي ومؤتمر الحج السنوي ، فمادامت هذه الأربعة سيظل الناس مشدودين إلى الإسلام ، القرآن الكريم يقرأونه صباح مساء ويتلى عليهم ، والأزهر بعلمائه المنتشرين في الآفاق وفي القرى وفي المدن يعلمون الناس ويعظونهم ويفتونهم واجتماع الجمعة الأسبوعية الذي يجدد إيمان المسلمين ويربطهم بدينهم ويذكرهم بالله وبالآخرة ، ثم مؤتمر الحج السنوي ، فالمسلم العاصي يذهب إلى هذا المؤتمر فيعود شخصاً آخر وخلقاً آخر ، بإيمان جديد وعزم جديد ، هذا ما لاحظه هذا الرجل النصراني .
شبهات حول الحج
يا أيها الأخوة إن الله أكرمنا بهذه العبادات الإسلامية وخصوصاً الحج منها ، بعض الناس يثير شبهات حول الحج يقولون المسلمون يعبدون الحجر الأسود ويعبدون الكعبة .. وهذه افتراءات لا وزن لها ولا قيمة ، المسلمون لا يعبدون إلا الله وحده وسيدنا عمر حينما طاف بالبيت ووصل عند الحجر قال (أيها الحجر إني أقبلك وأنا أعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع ، ولولا أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبلك ما قبلتك) ، فهو يقبله اتباعاً ، وقلنا لماذا كانت الكعبة ؟ لأنها أول بيت للتوحيد ، فالمسلمون يعظمون الكعبة لهذا المعنى أنها رمز التوحيد في الأرض والحجر الأسود هو بداية المطاف لابد من مكان يبدأ الناس فيه الطواف فهو البداية تبدأ من عند الحجر الأسود وتقول بسم الله والله أكبر ، لا باسم الحجر ولا باسم الكعبة ولكن باسم الله والله أكبر ، هذا هو شأن المسلم والحج تغلب فيه اللغة الرمزية ، واللغة الرمزية لغة عالمية، ما معنى اللغة الرمزية ؟ نحن نعلم أن الدول تهتم بشيء اسمه العلم ، كل دولة لها علم تنشد عندها النشيد الوطني وترفعه وتأبى أن تنكسه إلا في مناسبات معينة ، ما هو العلم ؟ قطعة قماش ولكنها رمز لهذا البلد أو ذاك ، فالإنسان الذي يعظم هذا العلم لا يعظم هذه القماشة إنما هو يعظم ما يرمز إلى بلده ووطنه الذي يعتز بالانتماء إليه ، وكذلك الحج تغلب فيه اللغة الرمزية حينما يقبل الإنسان الحجر الأسود أو يلتمسه بيديه أو يشير إليه من بعيد ومعظم الحجاج الآن يشيرون إليه من بعيد ، هذا كما قال الشاعر العربي قديماً
أمر على الديار ديار ليلى= أقبل ذا الجدار وذا الجدار
وما حب الديار شغفن قلبي= ولكن حب من سكن الديار
الإنسان حينما يأتيه رسالة من صديق أو من حبيب أو من كذا ممكن أن يحتضنها أو يقبلها .. فما هي الرسالة ، إنها قطعة ورقة مرت على ساعي البريد ومرت على غيره إنما هي رمز ، رمي الجمار هي رمز لتجسيم ومقاومة الشر الذي تمثله الناس في إبليس ولذلك نرى الناس سموا الجمرات فيقولون إبليس الصغير وإبليس الكبير أو إبليس الجد وإبليس الأب وإبليس الابن وبعضهم يخلع نعله ويرمي وهذا لم يرد في الشرع إنما هو تجسد أمامهم الشر فهذه لغة يعلمها الإسلام للناس ، هذا الحج فريضة عظيمة ينبغي نحن المسلمين أن ننتفع بها في تذويب الفوارق فيما بيننا وفي تدارس أمورنا ، يجب أن يجتمع أهل الرأي والحكمة من كل البلاد ليتباحثوا في أمورهم وفي قضاياهم الكبرى وقضاياهم المصيرية ، هذا ما ينبغي للمسلمين أن يفعلوه
التقرب بالحج كنافلة أو بنوافل أخرى
هذه فريضة عظيمة ينبغي لنا نحن المسلمين أن نحرص عليها ولكن أريد أن أؤكد معنى طالما كررته ، هناك مسلمون يحرصون على الحج في كل عام وأنا أقول لهؤلاء الذين يحرصون على التنفل بالحج يمكنكم أن تتقربوا إلى الله بنوافل وعبادات أخرى وأن تتركوا أماكنكم لغيركم بدل أن تزحموا الحجاج بما ليس واجباً عليكم وهناك أمور أهم من الحج بل أراها فرائض على الأمة مثل إعانة البلاد الإسلامية ، البلاد التي تجاهد من أجل حقوقهاً ، والجائعين الذين يموتون من الجوع حقيقة لا مجازاً واليتامى الذين لا يجدون كافلاً والبلاد التي لا تجد مدرسة تتعلم فيها ، والبلاد التي تتعرض لحملات التنصير وما أكثرها في ديار الإسلام ، هذه كلها واجب علينا أن نعينها فلماذا نحرص على أن نكرر الحج وهذه الفرائض تطالبنا ، نحن هنا في قطر عندنا مشروع لخدمة الإسلام على الإنترنت (ISLAM ON LINE) وأنا أحتاج إلى ملايين في السنوات الأولى حتى يستمر المشروع ولا نجد من يموله ، أليس هذا أولى من أن تذهب كل سنة لتحج وتزاحم الآخرين ، القاعدة الشرعية تقول ، إن الله لا يقبل النافلة حتى تؤدى الفريضة ، لا يقبل منك نافلة وأنت تارك فريضة ، ولذلك قالوا أن المدين ليس عليه حج ، لماذا ؟ لأنه يجب عليه قبل أن يحج أن يسدد الدين ، إن الله لا يقبل النافلة حتى تؤدى الفريضة ومن شغله الفرض عن النفل فهو معذور ومن شغله النفل عن الفرض فهو مغرور .
نصيحتي إلى الأخوة الذين يكررون الحج أن يتبرعوا بنفقات حجهم إلى الجمعيات الإسلامية والمشروعات الإسلامية والمؤسسات الإسلامية في بلادنا المختلفة التي تحتاج إلى كل فلس ولا تكاد تجده .
أسأل الله تبارك وتعالى أن يفقهنا في ديننا وأن يعلمنا ما ينفعنا وأن ينفعنا بما علمنا ، اللهم آمين ، ادعوا الله تعالى يستجب لكم .
ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين ، وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون .